الارتباط بين التبغ وبين زيادة هشاشة العظام

التدخين والعظام
سواء أكنت في سن الشباب أو في مرحلة الشيخوخة، وسواء أكنت رجلاً أو امرأة، بغض النظر عن الفئة التي تنتمي إليها، فإنَّ التدخين يمكن أن يسبب ضعفاً في عظامك، ويزيد من خطر تعرضك للكسور، وذلك وفقاً لبحث جديد قُدِّم في المؤتمر العالمي للمؤسسة الدولية لهشاشة العظام (IOF) ، الذي أُقيم مؤخراً في مدينة تورنتو بكندا.
منذ زمن طويل، عُرف بأنَّ التدخين يزيد خطر الإصابة بهشاشة العظام (Osteoporosis) عند النساء، ولكن الدراسات الحديثة أظهرت بأنَّ التدخين يُسرِّع عملية تآكل العظام عند الرجال أيضاً. ومن أهم تلك الدراسات، واحدة أجريت في السويد، والثانية في الصين.
وقد أظهرت الدراسة الصينية، وللمرة الأولى، بأنَّ التدخين القسري أو ما يُدعى بالسلبي (وهو استنشاق دخان التبغ الذي ينفثه المُدخِّنون، وكذلك الدخان المتصاعد من سجائرهم، من قبل الأشخاص غير المدخنين، رغم أنفهم !!) يمكن أن يزيد بصورة واضحة، خطر الإصابة بهشاشة العظام، عند الرجال والنساء على حد سواء.
أخبار سيئة من خلال دراسة جيِّدة:
يمكن تحري الآثار الضارَّة للتدخين على العظام الفتية. كانت هذه إحدى النتائج التي توصلت إليها دراسة سويدية عن هشاشة العظام والبدانة، حيث تناولت الدراسة متابعة الحالة الصحية لرجال في مقتبل العمر في السويد.
يقول الباحث الرئيس في الدراسة السويدية (ماتيس لورنتزن Mattias Lorentzon):
(على الرغم من وضوح علاقة التدخين بنقص كثافة العظام لدى كبار السن، إلاَّ أنَّ تأثير التدخين على عظام المراهقين بقي مثيراً للجدل. أمَّا الآن، فنستطيع القول، بكل وضوح، بأنَّ للتدخين أثراً ملحوظاً على عظام المراهقين).
والباحث المشار إليه آنفاً، يعمل مع (البروفيسور كلايس أوهيلسنProf. Claes Ohlsson ) وزملائهم في مركز أبحاث العظام في أكاديمية ساهلغرينسكا (Sahlgrenska Academy) بجامعة غوتنبيرغ (Gothenburg University)، حيث قاموا بقياس الكثافة المعدنية للعظام (Bone mineral density )، وهو مقياس لقوة العظام، لأكثر من (1000) شاب سويدي، تتراوح أعمارهم بين (18-20) سنة، فوجدوا أن كثافة العظام في العمود الشوكي، وفي الورك، وفي الجسم بصورة عامة، هي أقل لدى المدخِّنين منها عند نظرائهم من غير المدخنين. وكانت التأثيرات أشد وضوحاً في ناحية الورك، حيث كانت كثافة العظام أقل بنسبة تزيد عن 5% عند المدخنين، بالمقارنة مع غير المدخنين !
وكما هو معلوم، فإنَّ نقص الكثافة المعدنية في العظام بنسبة 10% يضاعف من إمكانية تعرضها لخطر الكسر.
إنَّ النتائج التي توصل إليها هؤلاء البحثون، بيَّنت السبب في الموجودات الملتبسة وغير المحددة في الدراسات السابقة، حيث استخدمت في الدراسة الأخيرة، أجهزة تصوير شعاعي متطورة بمساعدة الكمبيوتر (CAT scanner)، للحصول على صور ثلاثية الأبعاد للعظام.
أظهرت الصور ثلاثية الأبعاد، بأنَّ التدخين يؤثِّر بالدرجة الأولى على نوع محدد من العظام، يسمى العظام القشرية (cortical bone)، وهي عظام ذات كثافة معدنية عالية، شبيهة بطبقة المينا القاسية التي تغطي الأسنان، وهذه الطبقة القشرية شديدة الكثافة، تحيط بالأجزاء الاسفنجية الليِّنة من العظام.
لقد وجد الباحثون في هذه الدراسة، بأنَّ التدخين يُنقص من سماكة العظام القشرية، وبالتالي فهو يُضعف من قوَّتها، ويجعلها عرضة لخطر الكسر !
ويشبِّه الباحث الرئيس في هذه الدراسة، العظم بقلم الرصاص أو المرسم، فكلما كانت سماكته أكثر، كلما صَعُبَ كَسْرُه.
وفي دراسة أخرى مستقلة، قام بها الباحث (دان ملسترومDan Mellström )، وزملاؤه في مركز أبحاث العظام في السويد، حول تأثير أنماط الحياة والعوامل الحيوية المختلفة، على قابلية العظام للكسر عند المسنين، حيث شملت الدراسة أكثر من (3000) رجل مُسن من السويد، بهدف توضيح علاقة التدخين بقياسات كثافة العظام وقابليتها للكسر عند المسنين. وقد أظهرت الدراسة أنَّ التدخين يؤدي لوهن العظام، وزيادة معدل كسور الفقرات بمقدار الضعف ! وكانت هذه إحدى الدراسات التي قُدِّمت مؤخراً في مؤتمر عُقد في تورنتو بكندا.
تضمنت تلك الدراسة إجراء تصوير شعاعي للعنق والعمود الظهري، لأكثر من (1300) رجل، بهدف البحث عن كسور في عظام الفقرات، التي تكون في أغلب الحالات غير مترافقة بأعراض (asymptomatic)، ولا يتم اكتشافها. وقد وجد الباحثون أنَّ قريباً من (17%) ممن شملتهم الدراسة، لديهم كسور واضحة في الفقرات، وعندما قارنوا معدل وجود كسور
الفقرات عند المدخنين، مع معدلها عند غير المدخنين، وجدوا أنَّ (24%) من المدخنين لديهم كسور في الفقرات، مقابل (14%) عند غير المدخنين. ومن المعلوم بأنَّ كسور الفقرات يُعتبر علامة كبرى على هشاشة العظام، ومؤشر قوي على احتمال حدوث كسور العظام مستقبلاً.
كما قام الباحثون يقاس الكثافة المعدنية لعظام الورك والفخذ والعمود الشوكي، لدى الأشخاص المشمولين بالدراسة، فوجدوا أنَّ كثافة العظام لدى المدخنين أقل منها لدى غير المدخنين، وذلك في جميع مناطق الجسم التي جرت دراستها !
وبصورة عامة، تشير نتائج الدراسات السابقة إلى أنَّ التدخين يُنقص من كثافة العظام، ويزيد من خطر تعرُّضها للكسور.
دُخان التبغ المنبعث من المدخنين، مشكلة أساسية لغير المدخنين

Second-Hand Smoke, First-Hand Problem
في دراسة هي الأولى من نوعها، جرت في أمريكا مؤخراً، وكان الهدف منها هو تحليل تأثيرات التدخين السلبي عاى كثافة العظام، وجد الباحثون بأنَّ الرجال الصينيين، والنساء ما قبل سن اليأس، يكون لديهم نقص واضح في كثافة العظام، إذا كانوا معرَّضين للتدخين السلبي، حتى لو كانوا هم أنفسهم من المدخنين !
حيث قام الباحث (يو هسيانغ هسوYu-Hsiang Hsu )، وزملاؤه من مدرسة الصحة العامة بجامعة هارفرد، بقياس الكثافة المعدنية لعظام الورك، لما يزيد عن (14000) رجل وامرأة في الريف الصيني، نظراً لأنَّ كسور الورك تعتبر من الأسباب الكبرى للمرض والوفيات على مستوى العالم، كما قام الباحثون بدراسة الحالات المسجلة لكسور خارج العمود الفقري مترافقة مع قصة تدخين.
وقد تبيَّن لهؤلاء الباحثين، من خلال دراسة العلاقة بين التدخين وبين هشاشة العظام، أنَّ التأثيرات الأشد كانت لدى النساء ما قبل سن اليأس، غير المدخنات ! (6% فقط من النساء المشمولات بالدراسة كُنَّ مدخنات، مقابل 87% من الرجال)، حيث أشارت نتائج البحث إلى أنَّ النساء ماقبل سن اليأس، المعرَّضات لدخان التبغ، تكون فرصة إصابتهن بهشاشة العظام أكبر بمقدار ثلاثة أضعاف، كما أنَّهن معرَّضات لخطر الإصابة بالكسور، خارج العمود الفقري، بأكثر من (2.6 مرات)، بالمقارنة مع النساء ما قبل سن اليأس، غير المدخنات، وغير المعرَّضات لدخان التبغ.
وبناء على ما سبق، فقد استنتج الباحثون أنَّ التدخين بحدِّ ذاته، يُعتبر أحد عوامل الخطورة في حدوث هشاشة العظام. كما استنتجوا أيضاً، بأنَّ تعرُّض الأشخاص المدخنين، بصورة يومية، لدخان التبغ المنبعث من غيرهم من أفراد الأسرة المدخنين، يجعلهم أكثر عرضة لخطر الإصابة بهشاشة العظام.
وعلى الرغم من كون هذه الدراسة هي الأولى من نوعها، التي تبحث في تأثير التدخين السلبي على صحة العظام، إلاَّ أنَّ هناك دراسات سابقة أشارت إلى أنَّ التدخين السلبي يمكن أن يؤثر على مستويات هرمون الإستروجين، الذي يُعتبر من الهرمونات الأساسية لصحة العظام، عند كل من الرجال والنساء.
ويخطط الباحث الرئيس في الدراسة السابقة، لمتابعة دراسة مستويات مادة الكوتينين (Cotinine) في مصل الدم، وهي مشتقة من النيكوتين، ولا توجد إلاَّ في دماء الأشخاص المعرضين لدخان التبغ، وعلاقتها بمستوى هرمونات الدم.
